بسم الله الرحمن
الرحيم
المسح على الجوربين
بيان أنَّ مردَّ الأحكام الشرعية إلى الكتاب الكريم لأنه أصل الأُصول
اعلم أن أصل كل حكم شرعي هو الكتاب الكريم ، لأنه أصل الأصول ومأخذ المآخذ وكليّ الكليات ، فلا يمكن لحكم ما من الأحكام الشرعية إلا وأن يرجع إليه ويصدر منه ، حتى إن السنة النبوية أصلها كتاب الله تعالى لأنها تفصيل لمجمله ، وإيضاح لمبهمه وطريق من طرق الاستنباط منه . فكل سنَّة بحث عن أًصلها باحث خبير فإنه يجدها في كتاب الله تعالى ، مدلولاً عليها إما من نص آية أو ظاهرها أو مفهومها أو إشارتها أو عمومها ، إلى غير ذلك من وجوه الاستنباط التي يعلمها المجتهد ، ويذكر بعضها في فنِّ الأصول .
إذا علمتَ ذلك فمسألتنا هذه – مسألة المسح على الجوربين – أصلها في الكتاب الكريم إما من عموم المسح في آية الوضوء ، وإما من عمومات أخَر .
فأما ( العموم الأول ) فسنده قراءة الجرِّ في قوله تعالى : ( وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ)(المائدة: من الآية6) فإن ظاهرها أن الفرض في الرجلين هو المسح ، كما روي ذلك عن ابن عباس وأنس وعكرمة والشعبي وقتادة وجعفر الصادق وعلماء سلالته رضي الله عنهم أجمعين . فعلى مذهب هؤلاء الأئمة يكون مفاد الآية وجوب المسح على الرجلين مباشرة أو بما عليها من خُف أو جورب أو تساخين [5] فيظهر كون الآية مأخذاً للسنة على هذه القراءة .
وأما على قول الجمهور : إن فرض الرجلين هو الغسل ، وصرف قراءة الجر إلى قراءة النصب – بالأوجه المعروفة في مواضعها – فيكون مأخذ مسح الجوربين من الكتاب العزيز ( عمومات أخر ) في آياته ، مثل آية : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ )(الحشر: من الآية7) ،وآية : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ )(الأحزاب: من الآية21) وآية : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي )(آل عمران: من الآية31) ، وآية : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ )(المائدة: من الآية92) ونظائرها مما لا يحصى . وقد تعدد وجوه الاستنباط ، ويترجح بعضها بقوة التفرع والارتباط ، ولا يخفى وجوه التراجيح على الراسخين ، والله الموفق والمعين .
بيان الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الجوربين والتساخين
اعلم أن أحاديث هذا الباب منها ما يستفاد جواز المسح على الجوربين من عمومه ، ومنها ما يستفاد من خصوصه .
فمن ( النوع الأول ) وهو ما يستفاد من عمومه وإطلاقه جواز المسح على الجوربين حديث ثوبان رضي الله عنه ، قال الإمام أحمد رحمه الله في مسنده [6] : في مسند ثوبان رضي الله عنه : حدثنا يحي بن سعيد عن ثور عن راشد بن سعد عن ثوبان قال : ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد ، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه ما أصابهم من البرد ، فأمرهم بأن يمسحوا على العصائب والتساخين ) رواه أبو داود في ( سننه ) .
قال العلامة ابن الأثير في ( النهاية ) : ( العصائب ) هي العمائم ، لأن الرأس يعصب بها ،و(التساخين )
كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما ، ولا واحد لها من لفظها .
أقول : رجال هذا الحديث ثقات مرضيون ، كما يعلم من مراجعة أسمائهم من كتب الرجال .
ومن ( النوع الثاني ) وهو ما ورد نصاً في الجوربين حديثا المغيرة وأبي موسى .
( فأما حديث المغيرة ) فرواه الإمام أحمد في ( مسنده ) – في مسند الكوفيين – في حديث المغيرة ابن شعبة قال : حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبي قيس عن هُزَيْل [7] بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة ( أن رسول الله توضأ ومسح على الجوربين والنعلين ) .
ورواه أبو داود في ( سننه) في باب ( المسح على الجوربين ) . وأخرجه الترمذي وابن ماجه كلاهما في ( باب المسح على الجوربين والنعلين ) .
وأما ( حديث أبي موسى ) فرواه ابن ماجه في ( سننه ) قال : حدثنا محمد بن يحي حدثنا معلى بن منصور وبشر بن آدم حدثنا عيسى بن يونس عن عيسى بن سنان عن الضحاك ابن عبد الرحمن بن عَرْزَب [8] عن أبي موسى الأشعري ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين ) .
ذكر ما ورد على هذه الأحاديث الثلاثة من الشبه والجواب عنها
الشبهة الأولى :
قالوا : في إسناد حديث ثوبان ( الأول ) راشد بن سعد عن ثوبان ، وقد قال الخلال في علله : إن أحمد بن حنبل قال : لا ينبغي أن يكون راشد بن سعد سمع من ثوبان لأنه مات قديماً .أ.هـ . أي فيكون معللاً بالانقطاع لسقوط راوٍ بين راشد وثوبان .
و( الجواب ) أن هذا إنما يأتي على مذهب من يشترط في الاتصال ثبوت السماع . وقد أنكر الإمام مسلم ذلك في مقدمة صحيحه إنكاراً شديداً ورأى أنه قول مخترع ، وأن المتفق عليه أن يكفي للاتصال إمكان اللقاء والسماع [9] ، وعليه فالانقطاع في الحديث غير مقطوع به ، ويرجع الأمر إلى رجال سنده ، فإذا كان رجاله ثقات كان صحيحاً أو حسناً جيداً صالحاً للاحتجاج به ، ولذا أخرجه الإمام أحمد في ( مسنده ) معوِّلاً على الاحتجاج به وتبليغه سنة يعمل بها .
وخرَّجه أيضاً أبو داود وسكت عليه ، وما سكت عليه فهو صالح للاستدلال به ، إذ لا جرح في رواته ولا علة ظاهرة فيه فاستوفى شروط الحُسْن . والحَسَن كالصحيح في الاحتجاج به والعمل بما فيه . وبالجملة فقصارى أمر هذا الحديث أن يكون حسناً وصالحاً ويكفي ذلك .
على أن مجرد الانقطاع ليس قادحاً ، فقد وقع في مسلم بضعة عشر حديثاً منقطعة وإن تبين وصلها من وجه آخر ، لأن المقطوع الثقة ليس كغيره ، ولذلك قبل من المراسيل مراسيل الثقات كما تقرر في موضعه .[10]
وتسميتنا لذلك بالحسن جرياً على قول بعضهم – كما في التدريب – أن الحسن هو الذي فيه ضعف قريب محتمل . وعلى قول البغوي : أن ما في السنن من الحِسان ، فإن هذين القولين متجهان فيما نراه وإن اشتهر تفسير الحسن بغيرهما .
قال الإمام النووي في ( التقريب ) : وقد جاء عن أبي داود أنه يذكر في ( سننه ) الصحيح وما يشبهه ويقاربه ، وما كان فيه وهن شديد بيَّنه ، وما لم يُذكر فيه شيء فهو صالح . ( قال النووي ) : فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مطلقاً ولم يصححه غيره ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود ، لأن الصالح للاحتجاج لا يخرج عنهما ، بل قال ابن رشيد : إن ما سكت عليه ( أبو داود ) قد يكون عنده صحيحاً وإن لم يكن كذلك عند غيره [11] انظر التدريب .
وبعد فإن رجال حديث ثوبان كلهم ثقات مرضيون كما يعلم من مراجعة أسمائهم من طبقات الرجال ، وقد عرفت الجواب عن شبهة الانقطاع فيه فقوي وحسن وصلح للاحتجاج به . والحمد لله .
الشبهة الثانية :
بحث بعضهم بأن الدليل من هذا الحديث أخص من الدعوى ، لأن الحديث يدل على جواز المسح على التساخين في حالة البرد خاصة ، لأنه جواب السائل في تلك الحالة .
و( الجواب ) أنه تقرّر في الأصول أن ( اللفظ العام الوارد على سبب خاص يحمل على عمومه ولا يخص بالسبب الذي ورد فيه ) . قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي : والدليل عليه هو ( أن الحجة في قول الرسول صلى الله عليه وسلم دون السبب ، فوجب أن يعتبر عمومه ) . وحاصل القاعدة في هذا أن ( اللفظ الذي يستقل بنفسه يعتبر حكمه ، فإن كان خاصاً حمل على خصوصه ، وإن كان عامَّاً حمل على عمومه ، ولا يخص بالسبب الذي ورد فيه ) . وما يقال في العام يقال في المطلق ، لاشتراكهما في الأحكام كما تقرر في الأصول وتقرر أيضاً أن ( ترك الاستفصال في حكاية الحال ينزل منزلة العموم في المقال ) .
ولا يقال : إن الفعل المثبت لا عموم له كما أطلقه الأصوليون ، لأنه يقال : إن إطلاقهم مقيد بغير نحو أمر أونهي ، لأن هذا ليس حكاية لفعله حتى يقال : إنه لم يقع إلا على صفة واحدة ، بل حكاية لصدور أمر بشيء أو نهي عنه عامَّاً في أقسامه ألبتة كما اختاره ابن الحاجب ، وبسطه في المطوَّلات . ثم إن ما ورد من مسحه صلوات الله عليه على الجوربين وهما من التساخين – غير مقيد بحالة لا أمراً منه ولا فعلاً ، وكذا ما صحَّ من مسحه صلوات الله عليه في الوضوء على عمامته – وهي من العصائب – غير مقيَّد بحالة دون أخرى ، وسيأتي مزيد لهذا البحث إن شاء الله .
الشبهة الثالثة :
في حديث المغيرة ( الثاني ) قالوا : إن فيه شذوذاً ، بيانه أن المروزي قال : إن الإمام أحمد ذكر أبا قيس – أحد رواته – فقال : ليس به بأس ، أنكروا عليه حديثين : حديث المغيرة في المسح ، فأما ابن مهدي فأبى أن يحدث به ، وأما وكيع فحدَّث به . وقال أبو داود في سننه : كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين . أ . هـ . قال السندي : فكان يراه ضعيفاً شاذَّاً ، و( الشاذ ) : ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه .
و( الجواب ) من وجوه : ( الأول ) أنَّ تضعيفه بما ذكر يعارضه تصحيح الترمذي له ، فقد قال بعد تخريجه له في سننه : هذا حديث حسن صحيح ، وهو قول غير واحد من أهل العلم . وتصحيح الترمذي مقدَّم على تضعيف غيره ، لأن الترمذي من الطبقة التي تأخرت عن تلك ووقفت على كل ما قيل فيه ورأت أن الحق في تصحيحه ، وكذا صححه ابن حبان [12] وهو ممن استقرأ وسبر أيضاً [13] .
( الثاني ) قال العلامة المحقق علاء الدين المارديني [14] في ردِّ قول البيهقي ( أبو قيس الأودي وهزيل لا يحتملان مع مخالفتهما الأجلَّة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا : مسح على الخفين ) ما مثاله : هذا الخبر أخرجه أبو داود وسكت عنه ، وصححه ابن حبان ، وقال الترمذي : حسن صحيح . وأبو قيس عبد الرحمن بن ثروان وثَّقه ابن معين وقال العجلي ثقة ثبت ، وهزيل وثَّقه العجلي وأخرج لهما معاً البخاري في صحيحه ، ثم إنهما لم يخالفا الناس مخالفة معارضة بل رويا أمراً زائداً على ما رووه بطريق مستقل غير معارض ، فيحمل على أنهما حديثان ، ولهذا صحح الحديث كما مرّ . أ هـ .
وهكذا قال شيخ الإسلام الشيخ منصور الحنبلي في شرح الإقناع : وتكلَّم بعضهم في الحديث – أي حديث المغيرة – لأن المعروف عن المغيرة ( الخفين ) قال في المبدع : وهذا لا يصلح مانعاً لجواز رواية اللفظين فيصح المسح على ما تقدم ( أي الجوربين ) .
وكذا قال العلامة ملاَّ على القاري في شرح المشكاة : قيل المعروف من رواية المغيرة المسح على الخفين ، وأجيب بأنه لا مانع من أن يروي المغيرة اللفظين ، وقد عضده فعل الصحابة . أ هـ . وسيأتي تسميتهم وبلوغ عدتهم ستة عشر صحابياً .
و ( الثالث ) وهو جوابنا عن دعوى شذوذه علماً ، أنَّ الشذوذ مختلف في معناه ، وأنه ليس بعلة على الإطلاق ولا بمتفق عليها . توضيحه أن السيوطي قال في التدريب [15] في شرح قول النووي في حدِّ الصحيح : ( وهو ما اتصل إسناده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علَّة ) ما مثاله : قيل لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا ، وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال : ( أحدها ) مخالفة الثقة لأرجح منه ، و( الثاني ) تفرد الثقة مطلقاً ، و ( الثالث ) تفرد الراوي مطلقاً . قال : ورد الأخيران فالظاهر أنه أراد هنا الأول ، قال شيخ الإسلام : وهو مشكل ، لأن الإسناد إذا كان متصلاً ورواته كلهم عدولاً ضابطين فقد انتفت عنه العلل الظاهرة ، ثم إذا انتفى كونه معلولاً فما المانع من الحكم بصحته ؟ فبمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه ، أو أكثر عدداً ، لا يستلزم الضعف ، بل يكون من باب صحيح وأصح . قال : ولم أرَ مع ذلك من أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبَّر عنه بالمخالفة ، وإنما الموجود من تصرُّفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة .
وقال الإمام النووي في بحث الشاذ : ( فإن لم يخالف الراوي بتفرده غيره وإنما روى أمراً لم يروه غيره فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بضبطه كان تفرده صحيحاً ، وإن لم يوثق بحفظه ولم يبعد عن درجة الضابط كان ما انفرد به حسناً ، وإن بعُد كان شاذّاً منكراً مردوداً ) أهـ . وبه يعلم أنَّ الشذوذ ليس علة قادحة في صحة المروي مطلقاً بل هي على هذا التفصيل ، وإن من كان عدلاً حافظاً موثوقاً بضبطه كان تفرده صحيحاً .
وممن اعترض جعل الشذوذ قادحاً في صحة الحديث الإمام ابن دقيق العيد فقد قال العراقي : وأما السلامة من الشذوذ والعلَّة فقال ابن دقيق العيد في ( الاقتراح ) : ( إن أصحاب الحديث زادوا ذلك في حدِّ الصحيح – قال – وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء ، فإن كثيراً من العلل التي يعلِّل بها المحدِّثون لا تجري على أصول الفقهاء ) [16] .
وقال ابن الصلاح : ( وقد يختلفون في صحة الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه [17] أو لاختلافهم في اشتراط بعضها ) .
فأفاد أن اشتراط السلامة من الشذوذ ليس بمتفق عليه ، بل هو مختلف فيه ، ولذا حدَّ الإمام الخطابي الصحيح بأنه : ما اتصل سنده وعدلت نقلته . قال العراقي : ( فلم يشترط ضبط الراوي ، ولا السلامة من الشذوذ والعلة ) .
وحكي أن مثل هذه الشروط مردُّها إلى اجتهاد المجتهدين في تحري المأثور ، ولذلك تفاوتت مسنداتهم ومخرجاتهم بتفاوت شروطهم كما بسطناه في مقدمة كتاب ( حياة البخاري ) . وكل ما يبحث عن تصحيحه باعتبار السند وقواعد المصطلح فذاك من حيث رعاية صحته سنداً ، وأما من حيث تصحيحه باعتبار أمر أجنبي عنه – وهو المسمى بالصحيح لغيره – فذاك نوع آخر على ما سيأتي بيانه .
1 وقد جدد طبعه المكتب الإسلامي ( بالأوفست ) بعد إضافة فهرس هجائي هام له بقلم محمد ناصر الدين الألباني
1 قلت : وابن خزيمة أيضاً في صحيحه ( رقم 198 – طبع دار القلم في بيروت ) وكذا ابن أبي شيبة في المصنف ( 1 – 188 ) والطحاوي في مشكل الآثار ( 1- 97 طبع القاهرة ) .
1 قوله و( يمنع وصول الماء إليها ) قلت : لعل هذا القول سبق قلم من العلامة أحمد شاكر رحمه الله ، فإنه ليس في أثر أنس المذكور هذا القيد أو الشرط ، بل هو أعم من ذلك بدليل أن الصوف لا يمنع وصول الماء إلى القدم كما هو معلوم بالتجربة . فأرى أن الصواب حذف هذا القول من سياق كلام العلامة رحمه الله ، لأنه لا دليل عليه كما سبق ، ولأنه أليق بموضوع رسالة العلامة القاسمي رحمه الله تعالى الذي اختار جواز المسح على الجورب الرقيق – وهو الحق . وهذا القول ينافيه كما لا يخفى .
1 أي تغيره وقذره ، يأتي القشف بمعنى ذلك كما في ( القاموس ) ومنه استعير للمرض المعروف في جلد اليدين والقدمين أيام قرس البرد وكأنه يغير الجلد ويقذِّره .
[8] براء ثم زاي كجعفر ، تابعي ( قاموس )
1 قلت : وهذا الإمكان متحقق فقد ذكر البخاري أن راشد بن سعد شهد صفين مع معاوية ومن المعلوم أن وقعة صفين كانت سنة (36) . ووفاة ثوبان سنة (54) . فقد عاصره (18) سنة . وإذا تذكرنا أن العلماء وثقوه – دون خلاف يذكر ، وأنه لم يرم بالتدليس ، ينتج من ذلك أن الإسناد متصل وأن إعلاله بالانقطاع مردود لأنه قائم على مذهب من يشترط في الاتصال ثبوت السماع . وهو مرجوح كما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى . ومما يقوي ما ذكرنا أن البخاري أثبتَ سماع راشد من ثوبان كما تقدم في كلام أحمد شاكر رحمه الله تعالى ، وذلك دليل قاطع على لقيه إياه ، لأن البخاري رحمه الله تعالى من القائلين باشتراط ثبوت السماع في الاتصال وأنه لا يكفي فيه المعاصرة فتأمل .
2 قلت : بعد أن عرفتَ صحة إسناد الحديث واتصاله ، فلا أرى من المفيد التوسع في تطريق الاحتمالات البعيدة في سبيل الدفاع عنه فإن المتقرر في علم المصطلح هو أن الحديث المنقطع من أنواع الحديث الضعيف ، لجهالة الراوي الساقط ولا أعلم أحداً من المصنفين في المصطلح صرَّح بقبول مراسيل الثقات هكذا مطلقاً بل فيه خلاف مشهور مذكور في محله وما ذكره من الأحاديث المنقطعة في ( مسلم ) لا ينفي القدح المذكور ما دام أنه تبين وصلها من وجه آخر ، وإلا فلولا ذلك لثبت القدح فتأمل .
1 قلت : لا شك عند العارفين بهذا العلم الشريف أن في ( أبي داود ) ما إسناده صحيح ، وإنما ينبغي النظر فيما اشتهر عند المتأخرين أن ما سكت عنه أبو داود فهو صالح للاستدلال به كما تقدم عند المؤلف ، فاعلم أن قول أبي داود : ( ... فهو صالح ) كما نقله ( التدريب ) يحتمل أنه صالح للاحتجاج به . وعليه جرى النووي . ويحتمل أنه يعني : أنه صالح للاستشهاد به لأنه ليس شديد الضعف ، وهو الذي اختاره أمير المؤمنين في الحديث الحافظ العسقلاني ، وهو الصواب الذي أراه لأمور كثيرة لا مجال لذكرها الآن ، ولكن من لفت النظر إلى قول أبي داود : ( وما كان فيه وهن شديد بيَّنته ) . فإن مفهومه أن ما كان فيه وهن غير شديد لا يبينه ، أي يسكت عنه ، فينتج من ذلك أن هذا هو المراد بقوله بعد : ( وما لم يذكر فيه شيء فهو صالح ) . فتأمل وتحرَّ الصواب ، ولا تغتر بما اشتهر بين الناس .
2 قلت : هذا الوجه من الجواب لا يستقيم إلا لو كان الترمذي وابن حبان من الأئمة المتثبتين في التصحيح مثل الإمام أحمد ومسلم وغيرهما ممن ضعفوا الحديث ، ففي هذه الحال تصح المعارضة ويسلم الجواب من الاعتراض لتأخر الترمذي عنهم ، ووقوفه على ما أعلوه به ، وأنه لايقدح . ولكن لما كان الترمذي ومثله ابن حبان معروفاً بالتساهل في التصحيح حتى قال الذهبي في ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وقد نقل عن الترمذي أنه صحَّح حديثاً له مع أنه متهم عند الشافعي وغيره ، قال الذهبي : ( ولذلك لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي ) .
قلت : فإذا كان الحال ما ذكرنا فالجواب ضعيف ، ولكن الحديث صحيح الإسناد ، وما أعلُّوه به مردود كما بيَّنه المصنف في الجواب الثاني ، وأحسن منه بيان الشيخ أحمد المتقدِّم ص 5/10 فقد أجاد كل الإجادة في الردِّ على الذين أعلُّوه بالشذوذ والنكارة جزاه الله خيراً . وخلاصة ذلك : أن هزيل بن شرحبيل الثقة الذي روى عن المغيرة المسح على الجوربين لا يجوز أن يقال إنه خالف الثقات الذين رووا عنه المسح على الخُفَّين ، إلا إذا كانت الحادثة واحدة ، فحينئذٍ يرد حديث هزيل بالمخالفة والشذوذلعدم إمكان الأخذ بالروايتين ، ففي حديث الجماعة عنه : أنه صلى الله عليه وسلم مسح في السفر ، وليس هذا في حديث هزيل ، فدلَّ ذلك على أنهما حادثتان مغايرتان وأن الجماعة روت ما لم يرو هزيل ، وهذا روى ما لم يرو الجماعة ، فليس من الشذوذ بسبيل ، ورحم الله الشافعي إذ قال : وليس الحديث الشاذ أن يروي الثقة ما لم يرو الثقات ، وإنما أن يروي ما يخالف فيه الثقات . انظر ( اختصار علوم الحديث ) للحافظ ابن كثير .
ومن الغريب أن الإمام مسلماً الذي أعلَّ الحديث بالشذوذ والمخالفة هو نفسه لما أخرج حديث المسح على الخفين في السفر من طريق الجماعة عن المغيرة ، أخرجه أيضاً من طريق أخرى عنه فزاد فيه المسح على العمامة فعلى طريقته في إعلال حديث هزيل بمخالفته للثقات ، كان ينبغي أن يعلَّ حديث العمامة أيضاً ، بل هو بالإعلال عنده أولى لأنها زيادة في نفس حديث الجماعة ، أعني في السفر ، وليس ذلك عن حديث هزيل !
2 قلت : أهل مكة أدرى بشعابها ، فالاعتماد إنما هو على المحدثين لأنه علمهم الذي اختصوا به ، فهم أعرف به من غيرهم ، وكل علم يرجع فيه إلى ذوي الاختصاص والإتقان فيه ، والمحدِّثون اتفقوا على اشتراط السلامة من الشذوذ في الحديث الصحيح ، كما هو معروف من كتبهم ، والمتتبع الطرق في دوواين السنة يجد غير قليل من الأحاديث اختلف الرواة الثقات في ضبط متونها اختلافاً لا سبيل للأخذ بجميع وجوه الاختلاف فيها ، بل لا بد من ترجيح بعضها على بعض ، فالراجح هو المحفوظ ، والمرجوح هو الشاذ ، وهو من أنواع الحديث الضعيف ، وحديث المسح على الجوربين صحيح سالم من الشذوذ كما تقدَّم بيانه ، لذلك فلا مجال للأخذ بتشكيك من وهم ، ورمي الحديث بالشذوذ ، فهو حديث صحيح محفوظ اتفق المحدثون على سلامته .