الرئيسيةإعلانات *التسجيلدخولenglish

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

 { ج 1} السياسة التي يريدها السلفيون بقلم فضيلة الشيخ "أبو عبيدة" مشهور بن حسن آل سلمان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير
Admin
Admin


عدد المساهمات : 1934
نقاط : 13597
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 21/01/2011
العمر : 44

خاص للزوار
تردد1:
100/0  (100/0)
أسألة الزوار:
75/0  (75/0)
ddddddkkkkkkk:

مُساهمةموضوع: { ج 1} السياسة التي يريدها السلفيون بقلم فضيلة الشيخ "أبو عبيدة" مشهور بن حسن آل سلمان    الأحد مارس 25, 2012 3:44 pm

بقلم فضيلة الشيخ "أبو عبيدة" مشهور بن حسن آل سلمان
حفظه الله تعالى ورعاه



الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وآله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه ، وصلى بصلاته إلى يوم الدين ، قال تعالى : {يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم }. ( أ )
أما بعد .( أ )
لم يرد في القرآن ذكر للفظة (السياسة)، ولا لجذرها (ساس) ومشتقاتها؛ إذ هذه اللفظة معرَّبة على رأي ابن كمال باشا -(ت 940هـ)-، فإنَّه قال في كتابه «تحقيق تعريب الكلمة الأعجمية» ([1]) ما نصه:

«(السِّياسة): معرَّب (سَهْ يَسَا)، وهي لفظة مركبة من كلمتين:

أولاهما: أعجمية، والأُخرى: تُركيّة؛ فإنَّ (سَهْ) بالعجمية: ثلاثة، و(يَسَا) بالمُغل: الترتيب؛ فكأنه قال: التراتيب الثلاثة.

وسبب هذه الكلمة على ما ذكر في «النجوم الزاهرة»: «أنَّ جنكيزخان -ملك المُغل- كان قد قسَّم ممالكه بين أولاده الثلاثة، وجعلها على ثلاثة أقسام، وأوصاهم بوصايا لم يخرجوا عنها، وبقي فيما بينهم إلى يومنا هذا مع كثرتهم، واختلاف أديانهم، فصاروا يقولون: (سه سيا)، يعني: التراتيب الثلاثة -التي رتبها جنكيزخان، فثقل ذلك على العامة فعربوها بتغيير الترتيب، فقالوا: سياسة».

قال أبو عبيدة: لمادة (السياسة) ذكر في السنة النبوية؛ فأخرج البخاري (كتاب أحاديث الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل) رقم (3455)، ومسلم (كتاب الإمارة: باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول) رقم (1842) بسندَيْهِمَا إلى أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- رفعه إلى النَّبِيِّ قال:

«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ».

ومعنى (تسوسهم)؛ أي: يتولون أمورهم؛ كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية.

والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه -قاله النووي في «شرح صحيح مسلم» (12/320 - ط. قرطبة)-.


* تحقيق التعريب:


أفاد صاحب «دراسات في تأصيل المعربات والمصطلح» (ص 131-132) أنَّ لفظة (السياسة) بمعنى: استصلاح الخلق بإرشادهم إلى ما فيه مصلحتهم، أو المنهج المتبع في تدبير مرافق الحياة العامة، ومنها: السياسة المدنية، والسياسة التربوية، وسياسة السوق الحرة.

أقول: إنَّ اللفظ -بمفهومه الحديث- مولَّد توليدًا معنويًّا، والمولد على ما جاء في «المعجم الوسيط»([2]): «المولَّد من الكلام: كل لفظ كان عربيَّ الأصل ثم تغير في الاستعمال، أو هو اللفظ العربي الذي يستعمله الناس بعد عصر الرواية».


* السياسة عربية:


اللفظ عربي فصيح متصرف، وهو مصدر ساس الناس يسوسهم سياسة: ورد في «جمهرة اللغة»([3]) لابن دريد (ت 321هـ): «وَسُسْتُ القومَ أَسُوسُهم سياسة، وكذلك الدواب».

وقال الجوهري في «الصحاح»([4]) (ت 393هـ) -مادة س و س-: «سُسْتُ الرعية سياسةً، وسُوِّسَ الرجلُ أمورَ الناس، على ما لم يسم فاعله، إذا مُلِّكَ أمرهم».

وجاء في «اللسان»([5]) لابن منظور (ت 711هـ): «وساس الأمر سياسةً: قام به،... وسوَّسه القومُ: جعلوه يَسُوسُهم».

أمَّا صاحب «القاموس»([6]) (ت 817هـ)، فقد قال: «وسُسْتُ الرعيةَ سياسةً: أمرتُها ونهيتُها، وفلان مُجرّب قد ساس، وسيس عليه: أدَّب وأُدِّبَ».

إنَّ بين مؤلفي «الجمهرة» و«الصحاح» و«اللسان» و«القاموس» وولاة جنكيزخان (ت 644هـ/1227م) بونًا واضحًا من الزمن!

والعجب كيف خفي هذا على شدَّةِ وضوحه وكثرة وقوع هذه اللفظة في الكتب المتقدمة على عصر جنكيزخان.

على أنَّه يمكن أن يفهم مسلك ابن كمال في تعريب هذه اللفظة (سه يسا)، وهي دخيلة قد صادفت إيقاعًا صوتيًّا للكلمة العربية (سياسة).

ومن قبيل المصادفة أن تحمل كلاهما في الدلالة معنى الرعاية والحكم، وهذا شبيه باللفظ الدخيل (تكنولوجيا Technology)، والتي عُرِّبت بـ(التِّقْنِيِّة) أو (التكنية) للدلالة على التطبيق العملي لنظريات العلم.

يقول عبد الصبور شاهين: «من الواضح أن مصطلح (التقنية) قد جاء موفقًا لما في أصواته من توافق بينه وبين المقابل الانجليزي..»([7])».

إذن؛ لفظة (السياسة) عربية، ولكنها لم ترد في القرآن الكريم بمادتها ولا بمفهومها الحديث المولد تولدًا معنويًّا.


* تعريفات:


هذه جملة من (التعريفات) المذكورة في كتب (الاصطلاح) قديمًا لـ(السياسة) بإطلاق، أو لـ(السياسة الشرعية) -وجلُّها تدور حول معنىً مشترك، مأخوذ من أصل المادة اللغوية الذي ذكرناه آنفًا-:

قال الكفوي في «الكليات» (ص 510):

«السياسة: هي استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجِّي في العاجل والآجل، وهي من الأنبياء على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم، ومن السلاطين والملوك على كل منهم في طاهرهم لا غير، ومن العلماء -ورثة الأنبياء- على الخاصة في باطنهم لا غير.

والسياسة البدنية: تدبير المعاش مع العموم على سنن العدل والاستقامة».

وقال الأحمد نكري في «دستور العلماء» (2/140):

«السياسة المدنية: علم بمصالح جماعة متشاركة في المدنية ليتعاونوا على مصالح الأبدان وبقاء نوع الإنسان؛ فإنَّ للقوم أن يعاملوا النبي والحاكم والسلطان كذا، وللنبي والحاكم والسلطان أن يعامل كل منهم قومه ورعاياه كذا.

ثم السياسة المدنية قسمت إلى قسمين إلى ما يتعلق بالملك والسلطنة، ويُسمَّى: علم السياسة، وإلى ما يتعلق بالنبوة والشريعة، ويُسمَّى: علم النواميس.

ولهذا؛ جعل بعضهم أقسام الحكمة العملية أربعة، وليس ذلك بمناقض لمن جعلها ثلاثة أقسام؛ لدخول المذكورين تحت قسم واحد.

السياسة (نكاه داشتن)([8])، وفي «الصراح»: (السياسة رعيت داري كردن)، وفي «غاية الهداية»: (ويسمى السياسة المدنية -بفتح الميم والدال، وضمهما- سمي بها لحصول السياسة المدنية؛ أي: مالكية الأمور المنسوبة إلى البلدة بسببه)».

والمعاني المذكورة قريبة من قول النسفي في «طلبة الطلبة» (ص 167):

«السياسة: حياطة الرَّعية بما يصلحها لطفًا وعنفًا».

ونص بعض الفقهاء على أنَّها: فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بهذا الفعل دليل شرعي؛ فقال ابن عقيل: «السياسة: ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ، ولا نزل به وحيٌ».

ونقل ابن نجيم عن المقريزي: «أنَّها القانون الموضوع لرعاية الآداب، والمصالح، وانتظام الأموال».

وذكر ابن عابدين أنَّ السياسة تستعمل عند الفقهاء بمعنى أخص من ذلك مما فيه زجر وتأديب -ولو بالقتل-، كما قالوا في اللوطي والسارق إذا تكرر منهما ذلك حلَّ قتلهما سياسةً.

ولذا؛ عرَّفها بعضُهم: «بأنها تغليظ جناية لها حكم شرعي حسمًا لمادة الفساد»، وقيل: السياسة والتعزير مترادفان([9]).

وعرَّفها بعضُ المعاصرين([10]) بقوله:

«السياسة (Politics, policy): مِن ساس الدابة؛ إذا راضها وعني بها: رعاية شؤون الأُمَّة بالداخل والخارج وفق أحكام الشرع.

السياسة الشرعية (Legal policy): عملُ وليِّ أمر المسلمين في الأحكام الاجتهادية بما يحقِّق مقاصد الشريعة، تاركًا ظواهر بعض النصوص، وذلك فيما لو كان العمل بتلك الظواهر يُؤدِّي إلى الإضرار بمصالح الرعيَّة لظروفٍ طارئةٍ.

ومنه قولهم: للإمام تقييد المباح إذا كان عدم التقييد يؤدي إلى إلحاق ضررٍ بمصالح عموم الرعيّة.

مثالها: الحكم بمنع بعض الأفراد من الزواج باليهودية أو النصرانية إذا كان الزواج بهنَّ يؤدِّي إلى إلحاق ضررٍ بمصالح الرعيَّة؛ كأن يكون أولئك الأفراد عاملين في السفارات، أو قواد جيشٍ، وإنما أبيح للحاكم هذا العمل من باب السياسة الشرعيَّة» انتهى.


* نتائج وملاحظات:


نستفيد مما مضى من نقولات في معنى (السياسة) أمورًا، يمكننا إجمالها فيما يأتي:

أولاً: إنَّ مدار معنى (السياسة) على استصلاح شؤون الناس؛ فـ(الصلاح) و(الإصلاح) ليس هدفًا للسياسة والساسة، وإنما هو معناها وأصلُها ولبُّها.

ثانيًا: خصَّ بعضُهم (السياسة) بمعنى الرئاسة أو القيادة، وهذا لازم للمعنى السابق.

ثالثًا: ومِن لوازم هذا اللازم ما جاء في كلام بعض الحنفية أنها الزجر والتأديب.

وكذا ما قاله صاحب «معين الحكام» (ص 169) -وهو علاء الدين الطرابلسي الحنفي-: «السياسة شرع مغلظ»!

رابعًا: جنح بعضهم في تعريف السياسة إلى الجانب العملي؛ بمعنى: أنها إجراءات وتصرفات المسؤولين لعملية الإصلاح، وهذا لازم للمعنى -أيضًا-.

خامسًا: السياسة لم تقتصر في الشرع على نصوص الوحيين الشريفين، بل يدخل فيها كلُّ ما يُصلِحُ شؤون الناس، وقد نقل ابن القيم في كتابه المستطاب «إعلام الموقعين» (6/512-513 - بتحقيقي) و«الطرق الحكمية» (ص 15 - ط. العسكري) مناظرةً جرت بين ابن عقيل وبين بعض الفقهاء القائلين: (لا سياسة إلاَّ ما وافق الشرع)، بيَّن فيها الجانب الفاسد لهذا القول بتفصيل بديع، حيث قال -رحمه اللَّه تعالى- ما نصُّه:

«وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل([11]) وبين بعض الفقهاء؛ فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة الشرعية هو الحزم، ولا يخلو من القول به إمام، وقال الآخر: لا سياسة إلاَّ ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإِنْ لم يشرعه الرسول ، ولا نزل به وحيٌ.

فإِنْ أردتَ بقولك: (لا سياسة إلاَّ ما وافق الشرع)؛ أي: لم يخالف ما نطق به الشرع؛ فصحيح، وإِنْ أردتَ لا سياسة إلاَّ ما نطق به الشرع؛ فغلط، وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسير، ولو لم يكن إلاَّ تحريق المصاحف([12]) كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة، وكذلك تحريق عليٍّ -كرَّم اللَّه وجهه- الزنادقة في الأخاديد([13])، ونفي عمر نَصْرَ بن حجاج([14]).

قلتُ [أي: ابن القيم]: هذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضَنْك، ومعترك صعب، فَرَّطَ فيه طائفة فعطَّلوا الحدود، وضيَّعوا الحقوق، وجرَّأوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرةً لا تقوم بمصالح العباد، وسَدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحةً من الطرق التي يعرف بها المُحِقَّ من المُبطِلِ، وعطلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنَّها أدلة حقٍّ، ظَنًّا منهم مُنَافاتها لقواعد الشرع.

والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة، والتطبيق بين الواقع وبينها، فلمَّا رأى وُلاَةُ الأمر ذلك وأنَّ الناس لا يستقيم أمرهم إلاَّ بشيءٍ زائدٍ على ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العَالَم، فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة، وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شرٌّ طويل، وفسادٌ عريض، وتفاقَمَ الأمرُ، وتعذَّر استدراكه.

وأفرط فيه طائفة أخرى فسوغت منه ما يُناقض حكم اللَّه ورسوله ، وكلا الطائفتين أُتِيَتْ من قِبَلِ تقصيرها في معرفة ما بعث اللَّه به رسوله ؛ فإنَّ اللَّه أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقِسْطِ، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحُهُ بأيِّ طريقٍ كان، فذلك من شرع اللَّهِ ودينه، ورضاه وأمره.

واللَّه -تعالى- لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد، ويبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه، وأدل وأظهر.

بل بيَّن ما شرعه من الطرق أنَّ مقصوده إقامة الحق والعدل، وقيام الناس بالقسط؛ فأيُّ طريقٍ استخرج بها الحق ومعرفة العدل، وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تُراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبَّه بما شَرَعَهُ من الطرق على أشباهها وأمثالها، ولن تجد طريقًا من الطرق المُثْبِتَةِ للحقِّ إلاَّ وفي شَرْعِهِ سبيلٌ للدلالةِ عليها، وهل يُظنُّ بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟!

ولا نقول: إنَّ السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها، وباب من أبوابها، وتسميتها سياسة أمرٌ اصطلاحي، وإلاَّ فإذا كانت عَدْلاً فهي من الشرع»، ثم ضرب -رحمه اللَّه- أمثلة لعمل النَّبيِّ بالسياسة الشرعية، وخلفائه الراشدين من بعدِهِ؛ فانظرها([15])، ولا تُفرِّط بها؛ فهي «السياسات العادلة التي ساسوا بها الأُمَّة، وهي مشتقة من أصول الشريعة وقواعدها»([16]).

سادسًا: ومع ما سبق؛ فإنَّ السياسة أصبحت تُقَيَّدُ في العصور المتأخرة بلفظة (الشرعية)! ولهذا أسباب؛ منها:

1- القول بأنَّ السياسة مقتصرة على ما وردت في نصوص الوحي، وهذا تضييق وتحجير!

2- بالنظر إلى ما استجدَّ في حياة الناس من تغيير وتبديل، وما طرأ في حياتهم من حوادث، وما جنت أيديهم من إحداث، فوقعوا في ورطات بمقدار بُعدهم عن هدي النبوة، ولذا قسموا السياسة([17]) إلى أقسام؛ وتنوّعت هذه الأقسام بالنظر إلى مصادرها تارةً، وإلى محالّها والأماكن التي تجري فيها تارةً أُخرى.

فها هو ابن خلدون -مثلاً- يُقسِّم في «مقدمته» (ص 170) السياسة إلى: (عقلية) و(شرعية)؛ فيقول -بعد كلام-:

«فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء، وأكابر الدولة، وبُصرائها كانت (سياسةً عقلية)، وإن كانت مفروضة من اللَّهِ بشرعٍ يقررها ويشرعها كانت (سياسةً دينية)».

ومن هنا؛ وقع (الفراق) بين (الدين) -عقيدةً وشريعةً- و(السياسة) -ممارسة عملية الإصلاح من قِبَلِ الولاة-؛ قال ابن خلدون -أيضًا-على إثر الكلام السابق مُفرِّقًا بين (الملك السياسي) و(الخلافة)-:

«الملك السياسي: هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار.

والخلافة: هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأُخروية والدنيوية الراجعة إليها».

وأشار شيخُ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه اللَّه- في «مجموع الفتاوى» (20/392-393) إلى تأريخ هذا الانفصام المبتدع -النكد- بين (الشرع) و(السياسة)، فقال:

«فلمَّا صارت الخلافة في ولد العباس، واحتاجوا إلى سياسة الناس، وتقلد لهم القضاء مَن تقلده من فقهاء العراق، ولم يكن ما معهم من العلم كافيًا في السياسة العادلة؛ احتاجوا حينئذٍ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين، حتَّى صار يقال: الشرع والسياسة، وهذا يدعو خصمه إلى الشرع، وهذا يدعو إلى السياسة، سوغ حاكمًا أَنْ يحكم بالشرع والآخر بالسياسة.

والسبب في ذلك أنَّ الذين انتسبوا إلى الشرع قصَّروا في معرفة السنة، فصارت أمور كثيرة؛ إذا حكموا ضيعوا الحقوق، وعطلوا الحدود، حتَّى تسفك الدماء، وتؤخذ الأموال، وتستباح المحرمات، والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوعٍ من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة، وخيرهم الذي يحكم بلا هوى، ويتحرَّى العدل، وكثير منهم يحكمون بالهوى، ويحابون القوي ومَن يرشوهم، ونحو ذلك».

ومن ها هنا؛ جاء تقرير ابن القيم -رحمه اللَّه- السابق بديعًا، لَمَّا حَكَى أنَّ (السياسة) في الشرع هي: (عدل اللَّهِ ورسولِهِ )، وقال -قبل ذلك-:

«ونحن نُسمِّيها سياسة تبعًا لمصطلحهم»!

فكمال الشريعة ومحاسنها في حقيقتها ولُبِّها ومعانيها، وجعل السياسة مقابل الشريعة، والنظر إليهما على أنهما نوعان مُتقابلان، وقسيمان مختلفان، ظلمٌ لكليهما.

وقد ردَّ شيخُ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه اللَّهُ- على هذا الخطأ والغلط! وبيَّن منشأ هذا المذهب الشطط! حيث قال في «مجموع الفتاوى» (20/391-392) ما نصُّه:

«يوجد في كثير من خطاب بعض أتباع الكوفيين، وفي تصانيفهم، إذا احتجَّ عليهم مُحتجٌّ بِمَن قتلَهُ النَّبِيُّ أو أمر بقتله؛ كقتله اليهودي الذي رضَّ رأس الجارية، وكإهداره لدمِ السَّابَّةِ التي سَبَّتْهُ -وكانت معاهدة-، وكأمره بقتل اللوطي -ونحو ذلك-؛ قالوا: هذا يعمله سياسةً!

فيقال لهم: هذه السياسة؛ إنْ قلتم: هي مشروعة لنا؛ فهي حقٌّ، وهي سياسة شرعية.

وإن قلتم: ليست مشروعة لنا؛ فهذه مخالفة للسنة.

ثم قول القائل -بعد هذا-: سياسة؛ إمَّا أَنْ يريد أنَّ الناسَ يساسون بشريعة الإسلام، أم هذه السياسة من غير شريعة الإسلام.

فإِنْ قيل بالأول؛ فذلك من الدين، وإِنْ قيل بالثاني؛ فهو الخطأ!

ولكن منشأ هذا الخطأ: أنَّ مذهب الكوفيين فيه تقصير عن معرفة سياسة رسول اللَّه ، وسياسة خلفائه الراشدين.

وقد ثبت في «الصحيح» عنه أنَّه قال: «إنَّ بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء»([18])» انتهى.

مع الاعتراف والإقرار بأنَّ الفراق بينهما، أعني: الشريعة -عقيدةً وعملاً- والسياسة -تنظيرًا وتطبيقًا- واقعٌ من غير دافع، منذ زمن العباسيين، واتسع هذا الفرق بِمُضِيِّ الزمن، حتَّى ظهرا في هذه الآونة على أنهما متقابلان؛ لا صلة للشريعة بالسياسة، ولا للسياسة بالشريعة! ولا قوَّة إلاَّ باللَّهِ.

وحقٌّ لنا -بعد هذا كلِّه- أَنْ نتساءل: هل اصطلاح (السياسة) محمود أم مذموم؟

ونجيب على هذا بقولنا:


* المحمود والمذموم من السياسة:


إنَّ مصطلح (السياسة) لا يحمد بإطلاق، ولا يُذم بإطلاق.

ومَن أطلق (ذمَّه) نظر إلى تسفّله لا إلى علوِّه، وإلى تبذّله لا إلى سمّوه، ويوشك هذا اللفظ -بسوء تصريف الاستعمال له- أن يصبح بلا معناه الذي رسم له، بل بلا معنىً؛ كالألفاظ المهملة، وكما يجازف إعلام الغرب -اليوم، وقبل اليوم- بكلمة (الإرهاب)([19])، يرمي بها من غير هدف!! ويَسِمُ بها من هبَّ ودبَّ، فكان من آثار ذلك أن نبَّه الناس إلى عداوتهم للإسلام، وفتح لبعضهم -بما يُردد من لفظها، وبما يُبدع من أسبابها- أبوابًا وطرائق، كذلك جازف بكلمة (السياسة)، يرمي بها المصلحين!


* المصلحون والسياسة:


فهذه اللفظة (مظلومة) بتبرء المصلحين منها، وهي دونهم([20]) تبقى ذليلة مهينة مجردة من جلالها وسمّوها؛ فإنَّ أعلى معانيها -كما رأينا- تدابير الممالك بالقانون والنظام، وحياطة الشعوب بالإنصاف والإحسان، ولكنها تدنَّتْ فنـزلت -ولا قوَّة إلا باللَّه- إلى معنى التحيل على الضعيف ليؤكل، وقتل مقوّماته ليهضم، والكيد للمستيقظ حتى ينام، والهَدْهدةِ للنائم حتى لا يستيقظ.


* علماء السلفيين والسياسة:


هذا المعنى الأخير هو المذموم، وهو المنفي عند أعلام السلفيين من العلماء والمصلحين، وأطلق واحد([21]) منهم -على هذا المنفي- مقولةً اشتهرت عنه غاية، أَلاَ وهي: (من السياسة ترك السياسة)([22]).

ذلك؛ لأنَّ لسان حاله ومقاله كان ينادي بتحرير العقول من الأوهام والضلالات في الدين والدنيا، وتحرير النفوس من تَأْلِيهِ الأهواء والرجال، وأنَّ تحرير العقول لأساس لتحرير الأبدان، وأصل له، ومحال أن يتحرر بدن يحمل عقلاً (عبدًا)! ولا يتحقق هذا التحرير إلاَّ بالتصفية والتربية؛ فمن السياسة الانشغال بالحقيقة والجوهر، وكان هذا هو هَمُّ ذلك القائل وشغله الشاغل، وكأنه كان يقول:

دَعِ الطنطنة لعشاق المظاهر والتهاويل، ودَعِ الأصداء الفارغة تجبّ نفسها، ودَعِ الدعوى للمتشبعين بما ليس فيهم، وهَاتِ الحقيقةَ التي لا تُدْحَض، والحجة التي لا تُنْقَض.


* سياسة متروكة:


إنَّ إشغال الأُمَّة بقضاياها المصيرية دون إعداد العُدَّة اللازمة للتربية الإيمانية الجادّة، وتحقيق الربانيّة، والبناء على المقاصد الشرعية الصحيحة، لم يأتِ بنتائج سليمة، وما لم ينشأ ذلك عن إيمان راسخ، لم يظهر له ثمرة ناضجة، ولما بُلِيَتْ سرائرُ أولئك العاملين على الإشغال دون إمهال، وباستعجال وإهمال؛ تبيَّن أن (سياستهم) -كلهم- التسابق إلى غاية واحدة، هي (كراسي النيابات)، وما يتبعها من الألقاب والمرتبات، تحقيقًا للمكاسب والرواتب والمناصب (أصالةً) و(نهايةً)، وإذ كلُّ شيءٍ بدؤه السياسة، فنهايته التجارة، والأعمال بخواتيمها!!

هذه هي السياسة التي من السياسة تركها، إذ جُعِلَتْ أداةَ مساومة، وفخ اقتناص المذبذبين من أبناء المسلمين، ممن يريدون الإصلاح بالمُشاركة بإعطاء (الصوت) فحسب! دون أي عناء، ولا سيما إن علَّق الناخب شعارات فيها تهديد ووعيد بلعنة اللَّه، والحرمان من دخول الجنة، وتوظيف النصوص لاختياره دون سواه، وفي ذلك من المضاهاة لليهود والنصارى بما لا يشتبه إلاَّ على صاحب الهوى!


* سياسة منفيّة:


فهذه السياسة عند الربانيين هي المنفية، التي مدارها على تطويع الدين للمصالح الشخصية، والمطامع الدنيوية، وجعلها وسيلة جاه، وذريعة للتضليل، وقد بلوناها وخبرناها وحاولنا إصلاحها في رجالها إشفاقًا على هذه الأُمَّة، فبُحَّت الأصوات، وأَكْدَت الوسائل، فلا يقولنّ قائل: (فينا) و(فيهم) و(فيها) غير هذا، فأهل مكة أدرى بشعابها!


* للحقيقة والتاريخ:


نقرر هذا للحقيقة والتأريخ على الرغم من قول المُتأثِّرين بهذا النوع المذموم من (السياسة): إنَّ كلامكم هذا فيه نصرة لفريق على فريق، ويحملهم هذا المعنى الذي فيه غلوّ على القول بترجيح (طائفة) على (طائفة)، أو تجريح (الحق) و(أهله)، دون التقعيد والتأصيل والتدليل! لأنَّ (الحزبيّة) والتهافت على نصرة (الشعارات) و(الشارات) و(الأسماء) هو الديدن! و(الافتتان) المُزري بـ(الأشخاص) نراه على أقبح (صورة) في حين أن ذلك ليس من مصلحة (الأُمَّة) ولا من عمل (ساستها) المصلحين!


* السياسة وطلبة العلم المبتدئين:


ومع هذا؛ فإننا ننكر أن يكون في (السياسة) اليوم (دين)! ولكننا لا ننكر أن يكون في (الدين) (سياسة)، وهذا (النوع) منها مناط بالمقاصد والمصالح المعتبرة، نصون الصغار ومَن هم في طريق التعلم والتربية عن أن (يُقرروه)، أو (يُقدّروه)، ونقول لهؤلاء -وجلهم من الشباب (المتحمِّسين)، ويعملون من أمام (تقريرات) العلماء (الكبار)-:

إنَّه لا ينبغي لكم أن تتدخلوا في السياسة؛ لأنكم لا تحسنونها، ولا يجوز لكم -ألبتة!- أن تنطقوا بلسانها، وتقول لكم: لسان السياسة (أعجمي)! ولسانكم عربي مبين!!

وأما نحن؛ فنقول: إنَّ طريقكم الموصول إلى جلال العلم لا يتّفق مع (أوساخ) السياسة، وما لم تفعلوا؛ فستغلب عليكم طباع (السوء)، وستقذف بكم (السياسة) في (المعتقلات) مع (المجرمين)!!




___________________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alhorani.ahladalil.com
 
{ ج 1} السياسة التي يريدها السلفيون بقلم فضيلة الشيخ "أبو عبيدة" مشهور بن حسن آل سلمان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: مكتبة الخطب المفرغة والمقالات :: الـــمــقـــــــــــالات-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: